اهلا وسهلا الى شرارات


عنف العدالة

عنف العدالة

إني أرى أنه ما من مكانٍ في العالم تنتصر فيه عدالة القوانين على العنف، هذه السلسلة التي يبدو أنها لن تنقطع من المُعنَّفين الذين يصبحون بدورهم عنيفين تُثخن جراح البشرية ثم تُحرقها في صميم قروحها.


يحصد العنف ملايين الناس كلّ عام، وفي أكثر الأحيان بشعارات الحرية والعدالة، ويتنوّع بين العنف المباشر في الحروب والجرائم، والعنف الذي تُشرّعه و تغطّيه القوانين كما تفعل الشركات المتعددة الجنسيات حالياً في بلدان العالم الثالث.


إن العنف هو ظاهرة القرن الحالي، وقد يستمرّ ليصبح وجه الألف الثالث، لقد بدأ ينتشر ليصل إلى داخل المنازل بنسبةٍ عالية، وبين الصغار في المدارس، عنفٌ منظّم تُنتجه وتجمّله الأنظمة السياسية، وعنفٌ غير مباشر ناتج عن عملية انهيار القيَم التربوية والاجتماعية والثقافية والحضارية.


إني أذهب إلى القول بأن ما يُسمّى سلطة القانون، هي في ظاهرها أمرٌ حضاري، لكنها في العمق جريمةٌ كبرى، ما دامت ليونة القوانين ومطّاطيتها وثغراتها تسمح للمتنفّذين بالإنسحاب من تطبيقها أو الخضوع لها، كما تُطلق أيديهم في عملية قهر الوُدعاء. كيف نريد لشعبٍ أن لا يثور وهو عُرضة للاحتلال، أو أرض اختبار للحروب الداخلية، تُنهب موارده، يُسلخ من أرضه، يُدمّر تراثه، وتُرمَّد طاقة الإبداع بين أبنائه. إن الظلم لا يؤدي إلاّ إلى الظلم ثم الثورة، وهل الثورة أمرٌ معيب؟ يستطيع من يملكون وسائل الإعلام أن يجعلوا من نقاوة الثورة وحول الحقد، لم تبدأ في تاريخ البشرية ثورة إلا لترفع الظلم عن المقهورين، لكنها وحسب الاختبار، تعود لتستنبت أجيال قهرٍ جديدة.


هل يكون مبدأ اللاعنف هو الردّ المناسب على هذه الدوامة التي يبدو أنها تستعرّ لتبتلع كل من في الأرض؟ فلسفة اللاعنف هذه قد تكون ناجحةً لو آمن بها القسم الأكبر من الناس، لكن المشكلة هي في كيفية نقلها إلى الناس.


لا ردّ على العنف بالاستسلام. لا ردّ على العنف بالعنف.


لا رد على العنف بقوانين تضبط إيقاعه، فقد أثبتت فشلها. لا ردّ على العنف باستبدال النظرية السائدة بأُخرى جديدة.


لا ردّ في الفلسفة ولا في علم النفس ولا في سائر العلوم.


لا ردّ على العنف إلا بالقوة.


ضعيفٌ من يمارس العنف على الآخر، إنه مستوحدٌ بائسٌ متبطّل، فالعنف ليس سوى المرآة الواضحة للضعف. القويّ وحده من يستطيع أن يكون وديعاً، لأن الوداعة ليست استسلاماً، إنها تلك الطاقة التي تجعل حاملها أقوى من أيّ جرحٍ وأصلب من أيّ انهيار.


القويّ وحده يستطيع أن يُعزّي ذلك العنيف المحزون، لأن الألم قد ولده ليكون في مستوى العزاء المطلق.


القويّ وحده يستطيع أن يدفع الظلم عن المساكين، لأنه مسكينٌ في الروح، ومن كان مسكيناً في الروح لا يخاف من عالم الظلمة.


القويّ وحده يستطيع أن يقود الناس إلى الحق، لأن جوعه إلى الحق لا يشبع وعطشه إلى الحق لا يرتوي.


القويّ وحده هو من يستطيع أن يستوعب العنف الموجود في الآخر، لأنه يقدر أن يمتصّ برحمته تعاسة الآخر المُعنَّّف.


القويّ وحده يستطيع أن يفرش بين المتخاصمين سلاماً، لأنه قد صار واحداً مع ذاته. القوي وحده يستطيع أن يصنع العدالة، إنه ذلك الذي ولده الحب إلى عالمٍ جديد، عالم عدالته أن لا يُترك من تسكنهم الظُلمة في عذاباتهم،


حتى ولو اقتضى أن يموت بسبب عذاباتهم.


وحده الحب لأنه القويّ يستطيع أن يكون عنف الثورة، عنف العدالة.

رينه زيدان 27/01/2009

 
العدالة والسجن

العدالة والسجن

 

في تحديد الجريمة أنها تخطٍ لقوانين المجتمع.

 

إن الانسان المفطور على الحياة الاجتماعية قد وقف متحيّراً أمام الخلل الذي يصيب مجتمعاً ما، ذلك الخلل الذي يعكّر هدوءه وصفاءه دفعه إلى استنباط الوسائل الكفيلة بإعادة التوازن والسلام إلى المجتمع، وربما يكون مبدأ العقوبة قد انطلق نتيجةً لهذا التشويش. وعقوبة السجن في ما يعنينا هنا قديمةٌ قِدَم التاريخ البشري وليس أدلّ على ذلك أكثر من القيود الموجودة في المتحف العراقي والتي تعود إلى خمسة آلاف عام

 

لقد اتخذت البشرية العقاب خطاً لها في مواجهة الخلل، وربما خلال آلاف الأعوام لم تُعِد النظر به، قد سعت ربما إلى تطويره وإصلاحه منذ بداية الوعي لحقوق الانسان، لكنها لم تطرح جذرياً إمكانية إلغاء السجن كعقوبة.

 

في السجن، يفقد الانسان كامل هويته، يصبح رقماً، مفعولاً به. السجن هو ذلك المكان الذي تلقي به البشرية نفايتها وهي تعتقد أنها قد تخلّصت من مشكلتها، في الوقت الذي تحمل فيه مشكلتها خارج حدود السجن.

 

أما المجرم في هذا المنطق مُستحقُّ السجن فهو ذلك الانسان الذي لم تكن طريقه اعتياديةٌ للوصول إلى ما يريده، لقد كانت دربه بعيدةً عن المتعارف، بعيدةً عن الأخلاقيات الاجتماعية.

 

يعترف الجميع بأن الجريمة لا تتوقف في السجون، فالمخدرات تصل إلى أيّ سجن في العالم وفي أكثر الأحيان على يد من أوكل إليهم تطبيق القانون. يتعلم الانسان في السجن أساليب جديدة يستطيع من خلالها الفرار من درب العدالة.

 

في السجن طبقية، لا يُعامل الغني كما الفقير، ولا السجين السياسي كما المواطن العادي.

 

في السجن ما هو أقسى من الطبقية، فبعض من أُوكل إليهم أمر السجن لا يرون في الانسان سوى حثالة، هو يفقد كرامته بالمطلق بالنسبة إليهم.

 

إن أقصى ما يعذّب في عقوبة السجن أنها تأتي نتيجة حكمٍ باسم الشعب، أو باسم الله أحياناً، والشعب غافلٌ والله مستغفل.

 

هل تحلّ عقوبة السجن ما أفسدته التربية؟

 

من يستطيع أن يجزم أن القوانين الاجتماعية هي أمرٌ مطلق يُعاقَب من يخرج عليها، أليست هي نفسها التركيبة التي يستعملها السياسيون لكي يخرجوا على القوانين تحت حماية القوانين نفسها؟

 
مسيحي ليس شاباً منقوص الرجولة

مسيحي ليس شاباً منقوص الرجولة

 

مسيحي هو الذي طرد الباعة من الهيكل بعد أن حولوه لمغارة للّصوص. مسيحي هو الذي لحقت به الآلاف من الجموع فأطعمهم وأشبعهم.

 

مسيحي هو الذي لمس الأبرص فأعاده للحياة. هو ابن داود الذي وهب النور لأعين طالما عانت من الظلمة، هو الذي واجه القبور المكلّسة وكشف ما بداخلها من النتانة، أخرجها من ظلمة الخفايا فأحرقها بنور الحقيقة.

 

مسيحي هو الذي تآمر على قتله الجبناء، فساقوه مقيّداً إلى محاكم الزور. هو الذي واجه الجندي الذي ضربه ظلماً سائلاً: لماذا ضربتني؟

 

مسيحي ليس شاباً منقوص الرجولة بل رجلاً قوياً صلباً.

 

مسيحي ليس شاباً عنيفاً لا بل إنه الحب بعينه، هو الحق بذاته، هو الرحمة بكلِّ تجلّياتها.

 

مسيحي هو الحب القائم من بين الأموات، الحيّ دائماً. هو الإنسان بكل ما تحويه الإنسانية من أبعاد، والإله بكل ما في الألوهية من النور والحق.

 

مسيحي هو يسوع.

 
العدالة والفقراء

العدالة والفقراء

 

في موضوع الفقر والفقراء ما يجرح الكرامة الانسانية في المطلق ولا التئام. إنه نزف مستمر يحفر على وجه الأرض الكآبة ويجعل من الابتسامة معاناة ألم مستديم.

 

إنه الانسحاق يتجلى في اختلاف وجوهه، الفقر هو العجز المطلق عن التناغم مع الحياة لتصبح الحياة صعوداً لولبياً إلى الانسان المتألق، إنه التخلف والاستحمام في وحول الجهل والاستعطاء، حيث يفقد الانسان تدريجاً وبسبب حاجته، القدرة على احترام نفسه، وقد يذهب إلى بيع نفسه. أن يُحرم إنسان من لقمته بكرامة، هو تجريدٌ له من حرية الخيار وإلقاؤه في أتون الاستسلام للمجهول، وأمام المجهول هناك ضعفٌ مطلق وعجز مطلق وانحدار مطلق إلى هاوية العبث.

 

لقد وقفت البشرية حائرةٌ أمام مأساة الفقر، كانت لها أجوبةٌ قد تُقنع العقول، لكنها لا تستطيع أن تُعمي الأعين. ففي جوابها على هذا الموضوع أنه مسألة حظوظٍ من العدالة أن نجعلها متساوية في متناول الناس جمعيهم هرب من المواجهة. الحظوظ ليست مسألة رياضيات يستطيع الانسان أن يبدأ بحلّها انطلاقاً من المعطيات ووصولاً إلى النتيجة، الحظوظ ليست مُنزلةً، ولا هي نتاجٌ إلهي يستطيع الانسان التصرّف به، إنها مأساةٌ قد فرضها من يعتقدون أنهم يستطيعون الاحتفاظ لأنفسهم بكل شيء.

 
قضايا عادلة PDF 
Wednesday, 25 February 2009 02:40

قضايا عادلة

 

القضية، في الأصل، مرتبطة بالقيم الإنسانية.

 

 

هناك سلَّم قيَم لا نستطيع القول أنه ثابت لدى الجماعات البشرية على اختلافها أو موحّد، لكن قواسم مشتركة كثيرة نجدها لدى هذه الجماعات.

 

الوطن، الأرض، الدفاع عن الجماعة، الأخلاقيات على تنوّعها، العادات والتقاليد، نُصرة المظلومين، تبنّي المتألمين والفقراء، حقوق المرأة، وما لا يُحصى عدُّه من مسائل طُرحَت على الناس عبر العصور، لكن أخطرها يبقى مسألة الدين

 

القضية إذاً، مرتبطةٌ بقيمةٍ إنسانيةٍ ما، درجت البشرية على اعتبار أن دفع الغالي والرخيص يهون في سبيل تحقيق العدالة في هذه القضية. وعندما نعلم أن إحصاءً تاريخياً للزمن الذي قضته البشرية دون حروب، يبلغ فقط ستة أشهرٍ حُسبت بالأيام والساعات والدقائق، نستنتج أن سيلاً من الحُجج قد غُسلت به أدمغة البسطاء لإقناعهم بقضيةٍ عادلةٍ وإدخالهم بالتالي في منطق الحرب لتحقيق العدالة

 
<< Start < Prev 1 2 Next > End >>

Page 1 of 2
May 2012
S M T W T F S
29 30 1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31 1 2